الشيخ محمد الصادقي الطهراني
102
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
لزام البشرية من حيث هيه ، بل هو فضل من اللّه ورحمة خاصة لخصوص عباده ليهدوهم السبيل . وهذه كرامة الهية ان يرسل اللّه إلى البشر بشرا ، فكيف تتخذ البشرية ذريعة لتكذيبها ، بدل أن يتذرع بها إلى تهذيبها ؟ . اجل « رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ » فهم كسائر البشر في كل حاجيات البشرية ، إلا أنه « يوحى إليهم » فهم بعيدون بسناد الوحي عن أخطاء البشرية : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لايَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ 8 . ذلك ! رغم قولهم « ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ » ( 25 : 7 ) وليس هذا الرسول بدعا في بشريته ولزاماتها المادية ، « وَما جَعَلْناهُمْ » هؤلاء الرجال الرسل « جسدا » لا روح له ف « لايَأْكُلُونَ الطَّعامَ » ثم « وَما كانُوا خالِدِينَ » لا يموتون ، أو لا تموت رسالاتهم وتنسخ شرائعهم « وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ . كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ . . . » ( 35 ) فهم بشر كسائر البشر يأكلون مما يأكلون ويموتون كما هم يموتون ، وانما يمتازون عنهم ويفضّلون عليهم بما يوحى إليهم . فلقد كانت الرسل إلى البشر بشرا قضية الحكمة البالغة الإلهية لتكون حياتهم الواقعية الملموسة نبراسا لسائر البشر ، تحقيقا لشرعتهم في أنفسهم لتتحقق في أنفس الآخرين ، فالكلمة الحية الواقعية هي المؤثرة في قلوب الناس ، حيث تترجمها حياة صاحبها ، وشيجة دائبة بينهم وبين المرسل إليهم . فأي داعية لا يحس مشاعر المدعوين ولا يحسون مشاعره ، انه يبقى دون تجاوب في دعوته ، مهما تسمّعوا إلى أقواله ، حيث الأفعال ادعى لهم وأولى بالاتباع من الأقوال وكما يقال « مروا الناس بالمعروف وانهوهم عن المنكر بغير ألسنتكم » . فالقولة التي لا تصدقها فعلة ، قاصرة أم مقصرة ، إنها تبقى على أبواب الآذان ومشارف القلوب دون مزاج معها الا شذرا وسطرا في قلة قليلة ، وهذه تناحر الدعوة العالمية .